ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

379

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فصل الخطاب ، واللّه هو الهادي الوهاب عالمين بحقائق الأمور كما هي هي وآدابها قوله رضي اللّه عنه : عالمين حال أن تكوّنوا أدبا ، حال كونكم عالمين بأن الأمر للّه جميعا ، فيدخلون في رحمته الواسعة التي قال فيها : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] . ثم أنه تعالى : أي بعد ما خلق اللّه تعالى آدم الخليفة الذي جمع من حيث الطبيعة حقائق العالم بأسرها ، وحصر قوابلها بأجمعها أعلاه ، وكان أسفله ( أطلعه ) : أي أعثر آدم الخليفة من حيث أنه خليفة لا من حيث أنه إنسان ، وكان ذلك بعد الخلافة والإمامة الكبرى ، والاطلاع إمّا بتعريف إلهيّ ، أو بتجلّي إلهيّ وهو اطلاعه على نفسه وعلى عينه الثابتة الجامعة لجميع الحقائق الكونية . ومن كرامات القلب ؛ معرفة الكون قبل أن يكون ، وهذا هو العلم الخفي الذي فوق العلم السرّي وفوقه علم أخفى وفوق الأخفى أخفى إلى الأخفى الذي استأثره اللّه دون خلقه ، فالأخفى الأول : عمى عنه كل مخلوق ما عدا هذا الشخص الذي أطلعه اللّه عليه كرامة منه به ، ولا يلتفت إلى من يقول : إنّ كل إنسان له سرّ يخصه لا يعلمه أحد معه إلا اللّه تعالى هيهات ! وأين اللوح والقلم ، - نعم - لكل إنسان سر مسلّم ذوقا لا يعلمه أحد من جنسه ولا الأكثر من غير جنسه ، ويعلمه هذا الذي أكرمه اللّه تعالى بقوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ، فافهم . ذكره الشيخ رضي اللّه عنه في « مواقع النجوم » على ما أودع فيه من حقائق العالم عموما ، كما في قبضة شماله ، ومن حقيقة نفسه ونبيه من حيث أنه إنسان لا من حيث أنه خليفة خصوصا كما في قبضة يمينه ، وجعل ذلك عطف على قوله أودع : أي جعل ذلك الوديعة . ( في قبضته ) : أي قبضتي آدم ؛ وهما قبضتا اليمين والشمال . قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات : 49 ] . إن هذا من حكم القبضتين ، فالقبضة على الحقيقة .